vendredi 6 avril 2012

أطروحة الدكتوراه:الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والانتقال الديمقراطي بالمغرب - سيدي عمر الإدريسي





الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والانتقال الديمقراطي بالمغرب
أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام
                                                                           د.سيدي عمر الإدريسي
قلة هي الكتابات العربية التي تربط بين الحماية الاجتماعية والمسألة الديمقراطية، علما أن هذه الأخيرة لا يغيب عن معالجة قضاياها الشأن الإجتماعي بمختلف تمظهراته وتداعياته. في حين أن الغرب الديمقراطي لا يماري في حقيقة الترابط الوثيق بين الموضوعين سواء في خطابات السياسيين والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين أو في الكتابات الأكاديمية والنقاشات الفكرية.
فالديمقراطية وإشكالية التحرك نحوها ليست مسألة سياسية صرفة ولكنها ذات أبعاد ومضامين اقتصادية واجتماعية وثقافية، وهذا ما جعل بعض المفكرين أمثال ألان تورين Alain TOURAINE يتحدثون عما يسمونه الموجة الثالثة من الديمقراطية أي الديمقراطية الثقافية بعد الموجتين السابقتين: الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، هذه الموجة الثانية التي تتقدم فيها القضايا والحقوق الاجتماعية الاقتصادية على المسائل السياسية ويأتي الاهتمام بإعمال مقتضيات العهد الدولي لهذه الحقوق في مرتبة متقدمة على الحقوق المدنية والسياسية التي ربما تكون قد نالت نصيبها من الاهتمام سواء على المستوى النظري أو على مستوى الممارسات.
أما في البلدان العربية فإن النقاش لا يزال متأرجحا بين ما حققناه من مكاسب سياسية وقانونية وحقوقية على مسار التوجه الديمقراطي، الذي تدعي أغلب البلدان التمسك به، وبين تأثيرات واقع اقتصادي واجتماعي هش لا يخدم طموحات الشعوب ولا سياسات الحكومات وبرامج القادة. إننا في دائرة مغلقة وشبكة من العلاقات والتناقضات التي تتحدى تطلعات المواطن العربي إلى الديمقراطية العيش الكريم والذي لا يمكن أن يتحقق في غياب سياسات فعالة للحماية الاجتماعية عادلة وذات نفس طويل.
إن الدول في هذه المنطقة تتعامل مع هذا الموضوع برؤى متباينة، لكنها تشترك جميعا، تقريبا، في وضعه في مرتبة ثانوية في سياساتها وبرامجها الإصلاحية. لذا كان لا بد من تسليط الضوء على هذا الجانب المعتم الذي تتقاطع فيه دائرة السياسة مع دوائر الشأن الاقتصادي والاجتماعي بما تنطوي عليه جميعها من قضايا تأثيرات متبادلة.    
وقد جاءت هذه الأطروحة ثمرة لسنوات عديدة من البحث في موضوع شائك وصعب ومتعدد الأبعاد والمحاور، لكنه الوقت ذاته يشكل ضرورة أساسية من الناحية العلمية والعملية، موضوع حيوي قد يلامس جوانب من حياة أي منا، وهو بلا شك أحد المحددات الرئيسية لحياتنا المستقبلية.
والعنوان الذي تم اختياره هنا هو: "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والانتقال الديمقراطي بالمغرب". وقد يتبادر إلى الأذهان للوهلة الأولى أن هناك بونا شاسعا بين موضوع الضمان الاجتماعي والمسألة الديمقراطية، لكن بحثا معمقا في هذا الإطار سيبدد هذا الانطباع وسيعطي بلا شك رؤية مخالفة.
إن مسألة الحماية الاجتماعية أصبحت تطرح نفسها بإلحاح شديد على الديمقراطيات المعاصرة. فمع تطور حقوق الإنسان والإنجازات التي تحققت في هذا المجال، تضاعف الوعي لدى المواطنين، خاصة في الدول الغربية، بالحقوق الاجتماعية وبأهمية التأمين الصحي. وهكذا بدأت تترسخ في تلك المجتمعات ثقافة الحماية أو التأمين الاجتماعي كوسيلة فعالة لمجابهة المخاطر التي قد يتعرض لها الفرد في بدنه أو في أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية.
هذه الأهمية التي أصبح يحظى بها الضمان الاجتماعي في العالم المعاصر كان لها صدى كبيرا في الأوساط الأكاديمية والإعلامية ولدى الساسة ورجال الاقتصاد، بحيث أصبح موضوع الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية يتبوأ مكان الصدارة على أجندات أصحاب القرار ولا يمكن إغفاله في البرامج الانتخابية، بل يشكل أحيانا حجر الزاوية في الصعود ببعض المرشحين إلى مقاليد السلطة في بعض الدول.
فالدول الغربية التي تُنعت بالديمقراطية تتمتع على العموم بأنظمة قانونية متطورة في مجال التشغيل والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، والتي تسمح للعمال بالاستفادة من أجور ومزايا وتعويضات ومعاشات مهمة تفوق بكثير ما يتمتع به نظراؤهم في الدول النامية.
والجدير بالذكر أن صلابة وتطور وقوة أنظمة الحماية الاجتماعية ترتبط بشكل وثيق بمسألة العدالة الاجتماعية، وبمدى فعالية تطبيق حقوق الإنسان وقواعد الديمقراطية؛ حيث لا يجد المواطن المحروم منها أو غير المتمتع بها بالشكل المطلوب، نفسه متحمسا للمشاركة في العملية السياسية إما لفقدانه الثقة في الفاعلين السياسيين وفي جدوى النظام السياسي وفعاليته، وإما لانشغاله بتدبير قوته اليومي الذي يكابد في الحصول عليه ويضعه على قمة أولوياته. ففي هذه الحالة لا يرى المواطن في العملية السياسية والعمليات الانتخابية والنشاط الحزبي أو النقابي أو حتى العمل الجمعوي شيئا جديرا بالاهتمام طالما أنه لا يساعده بشكل آني في تأمين وتحسين ظروف عيشه. ونتذكر هنا عزوف المواطنين عن الإدلاء بأصواتهم في عدد من الانتخابات. وهو الأمر الذي تم ربطه في الغالب بعوامل الفقر وضعف الحماية الاجتماعية وتفشي البطالة وانسداد الأفق أمام المواطن في استشراف مستقبل أفضل.    
          وإذا كانت بلدان العالم الثالث، ومن بينها المغرب، تحاول تحقيق نمو اقتصادي واجتماعي وسياسي على شاكلة الدول الغربية، في إطار عمليات التحول والإصلاح أو ما يعرف بتجارب الانتقال الديمقراطي، فإن هذه الدول تجد أنفسها مكبلة بمجموعة من القيود والعوائق التي تحول دون تسريع وتيرة النمو وعرقلة الوصول إلى التقدم المنشود.
ويأتي في طليعة تلك العوائق تردي الأوضاع الاجتماعية والصحية خاصة بالنسبة للطبقة العاملة التي تعتبر العمود الفقري للمجتمع الساعي إلى التنمية.
إن الضمان الاجتماعي، في هذا السياق، يظل موضوعا حيويا وغنيا وله انعكاس مباشر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، كما أنه قد يشكل لبنة أساسية في رسم التوافقات ويعرض على الفاعلين في العملية السياسية فرصا حقيقية للتفاوض بما يَضمن لهم جميعا مكانة أفضل داخل المجتمع ويزيد حظوظهم في التنافس السياسي السلمي، كما قد يسهل إبرام المواثيق السياسية وإنجاحها.
وفي المقابل، إذا سلمنا بالقول بأن لا ضريبة إلا بتمثيل، فإن دفع اشتراكات الضمان الاجتماعي يستوجب أيضا إعطاء المشتركين من عمال وأرباب عمل آليات فعالة لانتخاب ممثليهم الذين يُفترض فيهم السهر على مراقبة حسن تدبير تلك الأموال والدفاع عن حقوق المعنيين بها، وتحسين تلك الحقوق، وكذا الرفع من مستوى الخدمات وحسن التسيير والاستقبال.
          وفي المغرب تتعدد المؤسسات التي تحاول النهوض بالوضع الاجتماعي والصحي للسكان النشطين، وتشكل في مجملها نسقا وطنيا للحماية الاجتماعية.
ويستأثر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بمكانة هامة وحساسة داخل هذا النسق اعتبارا لطبيعة نشاطه وطريقة تدبيره.
والملاحظ أنه مع مجيء حكومة "التناوب التوافقي" التي تمخضت عما يعرف بعملية التحول السياسي التي عرفها المغرب في العقد الأخير من القرن الماضي، بدأت تلاَمَس بعض القضايا التي كانت فيما قبل من قبيل الطابوهات التي يُحظر الخوض فيها. كما بدأت تلوح في الأفق بوادر إصلاح إداري واقتصادي ومالي لتعزيز الإصلاح السياسي وتدعيمه.
محاولة الإصلاح هذه وضعت مجموعة من المؤسسات في الواجهة لتتصدر الأحداث وتستأثر باهتمام الرأي العام. وهذا ما تكرس من خلال قضايا القرض الفلاحي، والقرض السياحي والعقاري، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتي وصلت في بعض الأحيان درجة تكوين لجان برلمانية للتحقيق فيما أثير حولها من تُهم أو شبهات تتعلق بالفساد وسوء التدبير والتسيب وغيرها.
والفكرة الأساسية التي تم التركيز عليها هنا هي أن التحولات السياسية التي عرفها المغرب منذ التسعينات إلى اليوم قد طالت آثارها بلا شك العديد من المؤسسات التي أُخذ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كنموذج منها، ومن ثم الدور الذي يمكن أن يلعبه هذا الأخير انطلاقا من مكانته وطبيعة نشاطه للإسهام في عملية التحول السياسي الذي يمكن أن يفضي إلى تحول ديمقراطي سلس وبناء. وهذه العلاقة الجدلية هي التي ستشكل محور التوجه العام للموضوع.       
هذا الموضوع أيضا كان محاولة للربط بين قضية الديمقراطية كإشكالية وبعض القضايا الأخرى ذات الطابع الاجتماعي ولكن أيضا ذات المحددات الاقتصادية والسياسية.
وهكذا فإن مجمل الأفكار والمعطيات التي تمت إثارتها تشكل مجتمعة مادة أولية توحي بالعديد من الأسئلة ذات الطبيعة الإشكالية:
v   إلى أي مدى تأثر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعملية التحول السياسي الذي عرفته البلاد قبيل وبعد مجيء "حكومة التناوب"؟.
v   كيف كانت استجابة هذه المؤسسة وتعاطيها مع هذه المرحلة؟.
v   ما هي القضايا العالقة داخل هذه المؤسسة والعقبات التي تواجه تطورها؟.
v   إلى أي مدى تسهم هذه المؤسسة في إسناد ما يعرف بعملية الانتقال الديمقراطي والتنمية بشكل عام؟.
v   ما هي آفاق الإصلاح الذي عرفته وتعرفه هذه المؤسسة بدءا من ترسانتها القانونية المنظمة لنشاطها مرورا بهيكلتها وتسييرها وصولا إلى منهجية تدبير الشأن اليومي؟.
وهنا نشير إلى أن هذه الإشكاليات يتقاطع فيها ما هو سياسي بما هو اقتصادي، واجتماعي، وإداري، وأخلاقي...
                   والحال أن هذا الموضوع يظل حاضرا ومتغيرا باستمرار ويعرف مستجدات وتطورات متسارعة، كما أنه موضوع متشعب، يتقاطع ويتداخل مع حقول معرفية متعددة بل تنصهر فيه مجموعة من القضايا الشائكة: (الصحة، السكان، الاقتصاد، الإدارة، الضرائب، الأجور، الفقر، البطالة، النسل،الأسرة، الإصلاح، المحاسبة والتدبير المالي، القانون، الأنظمة المعلوماتية، السياسة العامة...).
إن خصوبة القضايا التي يطرحها هذا الموضوع أو تتقاطع معه، يجعل من الصعوبة ضبط تطوره والسيطرة عليه، إلا أنها في الوقت نفسه تجعله أكثر تشويقا ودينامية؛ كونه يفتح الباب على إشكاليات متنوعة تلامس الواقع بمختلف أبعاده وتهم المستقبل أكثر مما هي شأن من شؤون الحاضر.
إن المبررات التي دفعت إلى الخروج بهذا الموضوع من دائرته التقنية المالية/الإدارية ومن المقاربة القانونية الصرفة، للانفتاح به على المحيط الاقتصادي، والسوسيو سياسي تحديدا، بمختلف تفاعلاته وخلفياته تتمثل في:
-         1- توسع مجال الخوصصة وتطور القطاع الخاص الذي أدى إلى تزايد أعداد المنخرطين والعمال المسجلين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وبالتالي تطور نشاط المؤسسة وتنامي دورها على الساحة.
-         2- الحراك الذي يعرفه هذا القطاع على المستوى التشريعي والإداري والعملي.
-         3- تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق والصدى الكبير الذي خلفته إبان عملها وبعد صدور تقريرها.
-         4- تزايد الاهتمام الدولي بقضايا الضمان الاجتماعي وارتباطها بالمسألة الديمقراطية.
-         5- الدور المستقبلي لهذا القطاع والمخاوف المتزايدة من التأثيرات السلبية للعجز المالي لمؤسساته.
-         6- تزايد أهمية الشأن الاجتماعي والحماية الاجتماعية وتداولها في خطاب السياسيين والفاعلين الاقتصاديين.
- وتتعزز هذه المبررات بتزايد التحركات الشعبية في الآونة الأخيرة ضد غلاء الأسعار وضعف القدرة الشرائية في العديد من البلدان والذي يعكس بشكل أو بآخر ضعف الحماية الاجتماعية أو حتى غيابها بعض الأحيان، أضف إلى ذلك انعكاسات وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية.
وبالطبع فإن التعاطي مع هذا الموضوع لم يخلُ من بعض الصعوبات التي تمثلت بالأساس في كثرة القضايا الشائكة والمتشابكة المتعلقة به، بالإضافة إلى تطوره المستمر ومستجداته المتلاحقة.
 وعلى الصعيد البيبليوغرافي؛ فبالرغم من أن توفر رصيد كبير من المصادر والمراجع كان مهما ومفيدا، لكنه لم يكن في الغالب يتعاطي مع المقاربة التي تم اختيارها بشكل كاف. وقد كان للبحث المكثف والمتواصل على شبكة الإنترنيت دور هام في التغلب على بعض المصاعب المتعلقة بشح المراجع في بعض محاور هذه المادة؛ وقد تم التركيز في هذا الجانب على مواقع الهيئات الرسمية كمنظمة العمل الدولية والبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومواقع بعض الوزارات والمؤسسات العمومية وغيرها.
وعلى إيجابيات الفرصة التي يوفرها العمل داخل مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من إمكانية الاطلاع عن قرب على العديد من القضايا والمشاكل والاحتكاك بتفاصيلها وخباياها وثغراتها، إلا أنه في الوقت ذاته يشكل تحديا في القدرة على التحرر من القيود الذاتية وممارسة نقد مُجرد، والتحلي بالموضوعية التي حاولنا الحفاظ عليها والتمسك بها كمكسب وكهدف على طول هذه الدراسة.    
 ولمعالجة الإشكاليات التي يطرحها هذا الموضوع والتغلب على بعض صعوباته كان لابد من الاستعانة بمناهج متعددة تقتضيها طبيعة البحث ومنهجيته تمت الإشارة إليها في مقدمة البحث.
وهكذا جاءت مقاربة هذا الموضوع من خلال قسمين أساسيين:
à القسم الأول: عالج الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كورش من أوراش الإصلاح الديمقراطي من خلال تتبع نشأة وتطور نظام الضمان الاجتماعي بالمغرب عبرمؤسساته القانونية والإدارية ونظام الإعانات والخدمات في الفصل الأول، ثم الإصلاحات التي عرفتها مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في ظل مرحلة الانفتاح خاصة ما يتعلق بالإصلاح الإداري والقانوني وتدبير الموارد البشرية مع اهتمام خاص بدور لجنة تقصي الحقائق وخلفيات ونتائج عملها في الفصل الثاني من هذا القسم.
à القسم الثاني: انتقلنا فيه إلى دور هذه المؤسسة ومكانتها ومدى إسهامها فيما يعرف بعملية الانتقال الديمقراطي الذي نتناول فيه الأهمية التي أصبحت تتمتع بها مؤسسات الحماية الاجتماعية في ظل التطورات الاقتصادية على المستويين الداخلي والخارجي وما تطرحه من تحديات اجتماعية في الفصل الأول، ثم ارتباط ذلك بقضايا الديمقراطية وبالأبعاد الإقليمية والدولية لمختلف التطورات ومدى الاستفادة من سياسات الضمان الاجتماعي في دعم المشروع الديمقراطي خاصة عندما يتعلق بقضايا التنمية والسلم الاجتماعي في الفصل الثاني.
 فيما أُجمل في الفصل التمهيدي الجانب المفاهيمي والمرجعيات الفكرية والنظرية والفلسفية والقانونية للضمان الاجتماعي مع مقاربة لمفهومي الديمقراطية والانتقال الديمقراطي وبعض المفاهيم المتعلقة بهما.
              لقد استطاعت الإسهامات النظرية في مجال الحماية الاجتماعية أن تحقق تراكما فكريا كان له الفضل في تطوير هذا المجال كميا ونوعيا. وإذا كانت الديمقراطية قد عرفت عبر العصور مسيرة طويلة من الحضور والغياب، فقد انتهى بها المطاف إلى أن تصبح في القرن العشرين إحدى أهم الركائز والمميزات الأساسية للعالم المعاصر؛ على اعتبار أنها أرقى ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري في مجال التنظيم السياسي، والضمان الاجتماعي هو الآخر كان واحدا من أهم الانجازات التي ميزت التاريخ البشري الحديث، لكنه في الوقت نفسه، شأنه شأن الديمقراطية، شكل موضوعا متعدد الإشكالات والقضايا التي تؤثر إما سلبا أو إيجابا على حياتنا اليومية وعلى مستقبلنا.
              وهكذا فرض الضمان الاجتماعي نفسه في جميع أنحاء العالم واحتل مكانة مرموقة في المواثيق والصكوك الدولية، كما في التشريعات والقوانين الوطنية للدول، إلا أن تطبيق الضمان الاجتماعي حتى في أعرق البلدان التي اعتمدته لم ينجح في رفع الحيف الاجتماعي عن العديد من الفئات المحرومة.
               وقد ظل الضمان الاجتماعي منذ نشأته ورش عمل اجتماعي مفتوح، ومشروعا اقتصاديا واجتماعيا وماليا ونفسانيا يحدد حياة المجتمع والأفراد والدول ومستواهم المعيشي. إن التصاق حياة الأفراد والمجتمعات بفكرة الضمان الاجتماعي يجعل منه نظاما أو مجموعة أنظمة تتعلق بالدرجة الأولى بالسياسة الاجتماعية قبل أن تكون أنظمة اجتماعية خالصة بالمعنى الضيق.
              وهكذا يرى البعض أنه "يغلب على الضمان الاجتماعي، كمؤسسة اجتماعية فرضت نفسها في كل العالم الرأسمالي، الطابع السياسي، حتى يمكن القول إن نظام الضمان الاجتماعي هو من إفرازات النظام الديمقراطي البرلماني القائم على الانتخابات الدورية المتكررة" (علي مقلد: "الضمان الاجتماعي في لبنان").
              وفي السياق نفسه يؤكد المدير العام لمنظمة العمل الدولية خوان صومافيا بأن "أنظمة الضمان الاجتماعي لا تساهم وحسب في تحقيق الأمن الإنساني، والكرامة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، بل تؤمن أيضا أساسا للإدماج السياسي، والتمكين، ونمو الديمقراطية. فأنظمة الضمان المصممة بشكل جيد من شأنها أن تحسن الأداء الاقتصادي، وتساهم بالتالي في الميزة التفاضلية للبلدان في الأسواق العالمية.".
              إن الوضع الاقتصادي المتقلب في عالم اليوم والظروف الاجتماعية الصعبة تجعل المواطن العادي في بحث دائم عن الاستقرار، حيث نرى الأفراد يسارعون إلى الاحتماء بمؤسسات الضمان الاجتماعي لتأمين مستقبلهم وحماية أنفسهم وأسرهم من المخاطر التي تتربص بهم، فهل ستكون هذه المؤسسات في مستوى يؤهلها للعب هذا الدور الحساس وإنجاز هذه المهمة الجسيمة؟.
            وأمام تحدي الإجابة على هذا السؤال الصعب فإن العلاقة الجدلية بين ضرورة تحقق الديمقراطية للرفع من مستوى أداء مؤسسات الحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي وخدماتها، وبين الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأخيرة، إذا تم تفعيلها، في عملية "الانتقال الديمقراطي" في المغرب، ونظيره من البلدان، قائمة، إلا أن هناك عدة عوامل لا تخدم التأثير المتبادل بين الموضوعين بشكل إيجابي.
            ومن الملاحظات الأساسية التي يمكن أن الخروج بها في هذا المضمار هي أن التطور الذي عرفه الضمان الاجتماعي، والحماية الاجتماعية عموما، على مدار أربعة عقود ونيف، كان بطيئا ومحدودا سواء على المستوى القانوني أو على مستوى السياسات العمومية في هذا المجال أو على المستوى التدبيري.  
              ويبدو أن تعدد أنظمة الحماية الاجتماعية والمؤسسات المعنية بهذا القطاع يقف عائقا أمام أي إصلاح قانوني؛ فتعدد أنظمة التقاعد مثلا لا يساعد كثيرا في توحيد المعايير ومناهج الإصلاح بسبب اختلاف تلك الأنظمة وتباين توجهات المؤسسات المسيرة لها ومنهجية تدبيرها. أضف إلى ذلك الفراغ الكبير الناتج عن غياب التغطية الاجتماعية المتعلقة بحوادث الشغل والأمراض المهنية عن خدمات هذه المؤسسة والذي يعد حالة نادرة بين أنظمة الضمان الاجتماعي المقارنة. فيما يبدو أن التأمين عن البطالة أيضا يشكل حلقة مفقودة في نظام التعويضات الذي يعمل به الضمان الاجتماعي المغربي.
لكن القصور الذي تعرفه مؤسسات الحماية الاجتماعية عموما والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خصوصا يتعلق أساسا بضعف التقيد بالمعايير الدولية في هذا المجال وبعدم توفير الحماية الاجتماعية كحق من حقوق الإنسان على نطاق واسع، بحيث تبقى فئات كثيرة من المواطنين محرومة من التغطية الصحية والمنافع الاجتماعية، خاصة الفئات التي تنشط في القطاع غير المنظم أو الأشخاص العاطلين عن العمل.
وعلى العموم يمكن أن نمسك ببعض خيوط التحسن الذي تم تسجيله في هذا المجال في العشرية الأخيرة والأثر الإيجابي الذي خلفه عمل اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التي شكلها مجلس المستشارين سنة 2002.
وإذ يُسجل بارتياح أيضا صدور مدونة التغطية الصحية الأساسية وعودة "الروح" إلى المجلس الإداري للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعد سنوات من الجمود، إلا أن مشوار الإصلاحات المتعلقة بهذا القطاع الحيوي يبقى طويلا وشاقا خاصة في ظل نتائج الدراسات الاكتوارية الحديثة التي تتنبأ بنفس قصير للنظام الحالي في الوفاء بالتزاماته اتجاه المُؤَمّنين خاصة فيما يتعلق بالتعويضات الطويلة الأمد.
إن الضغط الديمغرافي وطول أمد حياة الأفراد أصبحت وستبقى من بين أهم العوامل التي تُنذر بزعزعة الاستقرار المالي لأنظمة الحماية والضمان الاجتماعي في البلدان الغربية وتوازنها، وهي نفسها التي تهدد أنظمة باقي البلدان، وهو الأمر الذي عجل بتحرك السياسات الإصلاحية، واستقطب اهتمام العديد من البحوث والدراسات وتداعى له المُؤْتمرون وأطراف الحوار في العديد من الندوات والجلسات التي تحاول تشخيص الأزمة ومعالجتها أو استكشاف توجهات جديدة للحماية الاجتماعية.
إن مختلف المعطيات والعوامل والمؤشرات التي تم التحدث عنها على طول هذا الموضوع تؤكد بجلاء لا يرقى إليه شك أن محنة الضمان الاجتماعي  في المغرب كما في الكثير من البلدان ملتصقة بالأرقام والبيانات وبالحصيلة المالية والحسابية، وقد رأينا كيف كان الفساد والتبذير والمحسوبية وغيرها من أسباب للضياع المالي الكبير الذي عرفته المؤسسة في الماضي وشكلت مظاهر ضعف وقصور في الحاضر، كما تابعنا عبر بعض الدراسات الاستشرافية كيف ستكون التوازنات المالية عملاق التحديات في المستقبل.
هذه المحنة أيضا تغذيها عوامل أخرى اجتماعية وديمغرافية وإكراهات اقتصادية عديدة تترجم لغة الأرقام إلى معادلات وإشكالات اجتماعية وسياسية، خاصة عندما تستحيل النتائج المحدودة لنشاط "الضمان الاجتماعي" إلى مؤشرات سلبية في مجال التنمية ومعدلات متدنية في مجال المشاركة السياسية.
ولعل كبرى المفارقات التي لاحظناها هي أن لا يتمتع الضمان الاجتماعي بقسط وافر من اهتمام السياسيين في المغرب في حمأة خطاباتهم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، في الوقت الذي يهيمن فيه هذا الموضوع على غيره من المواضيع في الحملات الانتخابية واستراتيجيات الساسة في الديمقراطيات الغربية. فالضمان الاجتماعي يبقى رغم كل شيء أحد المفاتيح الأساسية للتنمية ووصفة ممتازة لتثبيت السلم الاجتماعي أو استعادته.
لقد عرف الضمان الاجتماعي عدة إصلاحات وهو اليوم بحاجة إلى مزيد من الإصلاح، وهو في هذه النقطة إنما يتقاطع أيضا مع مسألة الديمقراطية التي يرى البعض أن المغرب قد قطع شوطا مهما على مسارها لكن البناء الديمقراطي لا يزال بحاجة إلى دعائم أساسية عبر إعطاء الفرصة لمزيد من الإصلاحات السياسية وتخليق الحياة العامة وإقرار المزيد من الحريات والحقوق، عبر انتخاب سياسات وبرامج جريئة وطموحة وتقديم مشروع مجتمعي متكامل يضع انشغالات الفئات المحرومة وهمومها في صدارة الاهتمام .
لقد حاول هذا الموضوع ملاحقة التحولات المتسارعة، ليس على المستوى المغربي فحسب ولكن أيضا على المستوى الدولي، لإدراك المستجدات وما يؤثر منها على القضايا المطروحة للمعالجة، لكن لا بد من التنويه إلى أن العامل الزمني يستوجب الوقوف عند نقطة معينة قد تظهر بعدها معطيات أخرى جديدة ومهمة.
ورغم ذلك فقد كان الاهتمام منصبا على إعطاء صورة شاملة لهذا الموضوع وتسليط الضوء على جوانبه المختلفة كسبيل للإيضاح والتبسيط. خاصة وأن قضايا الديمقراطية والضمان الاجتماعي تصبح أكثر تعقيدا عندما ندخل في تفاصيلها.                 
               وفي الأخير يمكن القول بأن مستقبل الديمقراطية رهين بمدى متانة أنظمة الحماية الاجتماعية وفعاليتها، الذي لا يمكن أن يصمد إلا بتكثيف الجهود للحد من البطالة ومواجهة المشاكل الاجتماعية التي قد تعصف بالمسار الديمقراطي وبشرعية الأنظمة التي لا تتعاطى بما فيه الكفاية مع متطلبات التنمية والإصلاح والأمن الاجتماعي وترسيخ الحريات والحقوق، ودون إعارة الاهتمام الكافي لمحاذير العولمة.
         فإذا كانت العولمة وتسارع موجات الدمقرطة عبر العالم، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، قد ألقت بظلالها على المشهد السياسي المغربي، فإن التطور الذي عرفه المغرب أيضا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية خاصة في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات وظهور الهيئات الحقوقية والإنسانية والصحافة المستقلة والفضائيات، قد لعبت هي الأخرى دورا فاعلا في بلورة هذا الواقع الجديد بالرغم مما سجل عليه من ملاحظات وانتقادات.
          ولأن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي  لا يشتغل في الفراغ، بل في بيئة حافلة بالمتغيرات والتفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإنه لم يكن فقط متأثرا بما تفرزه تلك البيئة، بل أيضا له دور يخفى على الكثيرين في عملية التشكيل وإعادة التشكيل التي تشهدها الساحة المغربية في مختلف أبعادها، خاصة مع تنامي دوره وتزايد أهميته بفعل المتغيرات الاقتصادية وما تنطوي عليه من ظواهر جديدة كعملية الخوصصة والانفتاح على السوق العالمية.
         وهنا يبقى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي  أمام تحد كبير عليه أن يرفع رهانه وأن تضع الدولة في متناوله كل الوسائل والآليات والأدوات اللازمة لصموده وسن التشريعات ذات البعد الإستراتيجي لهذه الغاية، خاصة وأن دوره يزداد ترسخا في دعم المسلسل الديمقراطي طالما أن لنشاطه انعكاس واضح على السياسة التنموية وحتى على القضايا المتعلقة بالاستقرار والسلم الاجتماعي.
     وإن كان "الانتقال الديمقراطي" يتشكل على آلية التفاوض في إطار ميثاق سياسي  كما هو الشأن بالنسبة للحالة المغربية، فإن ذلك يسمح بفتح أوراش للإصلاح القانوني والسياسي والإداري والاقتصادي التي من شأنها تدعيم عملية الانتقال، مع أن هذه الفرضية تبقى مطروحة بإلحاح خاصة عندما يتعلق الأمر برسم الخريطة القانونية التي تشكل الأرضية الأساسية للتسويات السياسية بين الفاعلين والذي يعكس بلا شك موازين القوى في صراع المصالح بين الفاعلين في مسلسل الانتقال.
         ولأن الضمان الاجتماعي يشكل أرضية خصبة لتجلي هذا الصراع بشكل واضح ومؤثر بالنظر إلى طبيعة المتدخلين، فهناك الباطرونا ممثلة في نقابات أرباب العمل ومهنيي قطاع الصحة، والدولة التي ترى في نفسها راعية لهذا الحقل من منطلق الهيمنة والضبط التي تنسحب على كل المجالات، ثم الطبقة الشغيلة، التي تعتبر الحلقة الأضعف في هذا النسق من العلاقات المتشعبة والمركبة.
 ويَبرُز الصراع في وضع قوانين الضمان الاجتماعي من خلال تعارض مصالح كل من العمال وأرباب العمل، وأحيانا تنحاز الدولة إلى طرف معين لضبط التوازنات ومعالجة أي اختلال محتمل قد يؤدي إلى تأثيرات سلبية على المجال الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى السياسي.
    إن ما يسميه الدكتور بسام الطيبي بالمستدعيات الاقتصادية والاجتماعية للديمقراطية (البناء الاقتصادي الاجتماعي للديمقراطي: "أزمة الديمقراطية في الوطن العربي" ندوة)، والتي يرى من خلالها أن بناء العلاقات الاجتماعية تحكمه طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لا بد أن يقوم على مبدإ المشاركة لكي يدفع إلى الأمام بتعزيز الديمقراطية، وهذا يرجع إلى التركيز على أن الديمقراطية ليست فكرة فحسب ولكنها هيكل مؤسسي له بنياته الاقتصادية والاجتماعية، والذي ينبني بالأساس على القوانين التي يجب أن تُصاغ بالشكل الذي يضمن للأفراد ليس فقط حرياتهم وحقوقهم السياسية، ولكن أيضا حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية وما يطمحون إليه من رفاه ورقي. وهكذا إذن سنكون أمام حلقة دائرية يؤثر فيها الاقتصادي والاجتماعي في السياسي  والعكس صحيح.
          فما هو دور القوانين المتعلقة بالضمان الاجتماعي في التأثير سلبا أو إيجابا على الواقع الاقتصادي والاجتماعي وبالتالي على الوضع السياسي والمسألة الديمقراطية؟ وهل القوانين المغربية في هذا المجال قادرة على إثبات فعاليتها في المساهمة في بناء دولة المؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية، أم أنها لا زالت تفتقر إلى العمق الذي يؤهلها لأن تكون فاعلا في آليات تجذير الديمقراطية من الناحية السياسية؟ وهل تطور هذه القوانين يسير بنفس الوتيرة التي يعرفها التطور على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي أيضا؟.
         تبقى هذه الأسئلة مطروحة للنقاش ودعوة مفتوحة للتداول أكثر في هذا الموضوع ليس على الساحة المغربية فقط ولكن أيضا على صعيد البلدان العربية الإسلامية عموما.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire